لم يكن من السهل أن يجتمع عاشقٌ عربيٌّ بأنثى إفريقيةٍ محافظةٍ في سطرٍ واحد من القدر.
كانت المفاهيم بيننا تتباعد أحيانًا حتى تلامس الضياع؛ فتارةً يتيه العاشق في استفزازها الإفريقيّ الحاد، وتارةً أخرى يضيع في خجلها الأنثويّ المفرط، كمن يتأرجح بين النار والماء.
أحلام…
ما كان يميّزها لم يكن الجمال فحسب، بل تلك البساطة التي كانت ترافقها كعطرٍ خفيفٍ لا يُنسى.
رغم ما كانت تملكه من سحر الملامح وفتنة النظرات، لم تكن مغرورة، بل كانت تمضي في الحياة كما لو أنّها تعتذر للعالم عن جمالها الزائد.
في أحد الأيام، استوقفتني نظراتها طويلاً.
شيءٌ في عمق عينيها كان يُغويني على الحديث، على كسر حاجز الصمت.
تشجّعت، وبادلتها الكلام.
بدأنا نتحدّث عن أشياء لم أتخيّل أن أجد فيها أنثى لا تتقن أبجديات لغتي، لكنّها كانت تفهم ما وراء الكلمات.
قالت وهي تراقب شاشة الحاسوب:
ـ "لماذا أنت مهتمٌّ دائمًا بمجالسة الكمبيوتر؟"
ابتسمتُ وأجبتها:
ـ "هو الشيء الوحيد الذي يحتوي أفكاري، ولا يُسيء فهم كلماتي."
تأمّلتني بدهشةٍ طفولية، لم تفهم الرمزية التي أخفيها.
ثم تابعت، ببراءةٍ لا تخلو من الفضول:
ـ "ألا تخشى على بصرك من هذا الضوء؟"
نظرت إليها مليًا وقلت:
ـ "ما نفع البصر إن كان القلب هو من يُبصر الحقيقة ويميّز الآخرين؟"
تغيّر وجهها للحظة، ثم صمتت.
كانت تحدّق بي بثباتٍ مربك، وكأنّ عينيها تقولان بصوتٍ خفيّ:
> "تمهّل… لقد اكتفيت، لا تُغرِقني أكثر بكلماتك يا سيدي."
شعرت بأنّي تماديت.
صمتُّ طويلًا، وبدأت أُعاتب نفسي:
من تظنّها؟ أهي نازك الملائكة (1)؟ أم أنني أوهمتُ نفسي بأنّ الشعر يمكن أن يسكن نظرتها؟
ضحكت فجأة، وكأنها قرأت أفكاري، ثم سكتت على نحوٍ أربكني أكثر.
ولكي تُطفئ شرارة التوتّر بيننا، قالت بلطفٍ ناعمٍ كهمس النسيم:
ـ "علّمني كيف أستخدم هذا الكمبيوتر الذي تأسره!"
ابتسمتُ، وربما كانت تلك أول مرة أشعر أن طلبًا بسيطًا قد يفتح بوّابة للعشق.
جلستُ إلى جانبها، وأريتها كيف تمسك فأرة الماوس.
كانت أصابعها ترتجف قليلًا، وقلبي من قبلها.
أتذكّر تلك الليلة كما لو كانت الأمس — زاوية الجلوس، ضوء الشاشة، وثوبها الأبيض البسيط الذي بدا وكأنه يسرق وهج الغرفة.
لم يكن الجوّ رومانسيًا، لكن شيئًا خفيًا جعل المكان ينبض بجمالٍ خالصٍ لا يُنسى.
مرّت السنوات، لكن ما زالت رفات السراب باقيةً على ذلك المقعد، تحرس ذاكرة لم تكتمل.
تقدّمتُ قليلًا، حتى صار وجهي قريبًا من كتفها.
كانت رغبتي ورهبتي تتنازعان داخلي، وكنت أُردّد في سرّي:
> "الصمتُ في حرم الجمال جمال،
كلماتُنا تقتل حبَّنا،
إنّ الحروف تموت حين تُقال."
وقفتُ لأُفسح لها المجال لتجلس، ففعلت.
مالت بجسدها قليلًا للأمام، واتّكأتُ على طرف الكرسي لأرشدها، بينما أناملي تلامس كتفيها الناعمتين بخفّةٍ لا إرادية.
طلبتُ منها أن تُمسك الماوس، ففعلت… وكان وجهها أقرب إليّ من أي وقتٍ مضى.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم يعد بيننا سوى أنفاسٍ تتقاطع، ومشاعرٍ تختبئ في قلبٍ يوشك أن يُعلن العصيان.
---
هامش:
(1) نازك الملائكة: شاعرة عراقية، يُعتقد أنّها أوّل من كتب الشعر الحرّ عام 1947، وتُعدّ قصيدتها الكوليرا من أوائل قصائد الشعر الحرّ في الأدب العربي.

0 التعليقات:
إرسال تعليق