لتتصل بها مرةً أخرى، وتطلب منها أن تحجز أقرب تذكرة إلى مدينة المكلا، محل إقامتها. الغريب في الأمر أن لهجة أختها أوحت إليها بكثير من الشكوك، خاصةً وأن أختها الكبرى متزوجة وليس لديها أطفال، مما يعني أن سبب طلبها لتسكن عندها أمرٌ يدعو إلى كثير من التساؤلات.
لم تنتظر أحلام طويلًا لترفض طلبها، متحججةً: ماذا أفعل في المكلا؟ وما الذي سأفعله بينكِ وبين زوجك؟ فبهذه الكلمات عجّلت بفضح نوايا أختها الكبرى، التي صرخت في وجهها قائلة: وما الذي تفعلينه هناك؟ أم أنكِ لا تستطيعين مفارقة أحضان حبيبك؟!
سكتت في محاولة لفهم ما الذي يجري. فقبل عدة أسابيع اتصل بها والدها، واليوم تكشف أختها قناعًا طالما أخفته. ثم استجمعت كل ما تملك من قوة لتقول لها: ومن حبيبي؟
فقالت: الكل يعلم من حبيبك، فلا تحاولي أن تتظاهري بالغباء. ما الذي يعجبك فيه وأنتِ بهذا القدر من الجمال، وألفٌ يتمناك؟ ألم تلمح عيناكِ إلا هذا الفتى الذي ما زال طالبًا؟
قالت: لن أجيبك، لأنك لن تفهمي ما سأقوله. ولكن اعلمي يقينًا أنني لست قادمة إليكِ، فأنا اخترت كيف أعيش حياتي، فلا تحشري أنفك فيما لا شأن لكِ به. واهتمي بزوجك وبحياتك، ولا تنسي أنكِ أختي ولستِ وصيّةً عليّ، وحتى وإن كنتِ تكبرينني بسنوات، فحريٌّ بكِ ألا تحاولي قطع علاقتنا بهذه التفاهات التي لا أساس لها.
هكذا انتهى الحديث في تلك الليلة. بدأت تهدأ من روعها، وأدركت أن من حق أختها أن تطمئن على مستقبلها، وأن تضمن لها حياةً سعيدة. لم يكن لكلامي أثرٌ عميق في نفسها، بل كانت شاردةً طوال حديثي معها. فقلت لها بصوتٍ خافت، وأنا أمسك بمعصميها: ما الذي يحزنك؟ أتخافين إن ابتعدتِ عني ألا أجد طريقًا يوصلني إليكِ؟ لو ذهبتِ إلى آخر العالم، سأجد طريقًا أصل به إليكِ.
بهذه الكلمات أخمدت براكين كادت أن تثور.
وفي الليلة التالية اتصل بها والدها ليفهم الخلاف الذي دار بينها وبين أختها، ولماذا ترفض أن تسكن معها، خاصةً وأنها أقرب الناس إليها. ثم ختم كلامه قائلًا: احجزي أقرب تذكرة واذهبي إلى أختك، ولا أريد أن أتصل بكِ مرةً أخرى.
لم تقتنع بكلام والدها، فقد كانت ترى أن السفر والسكن مع أختها أمرٌ غير صائب، وأن أختها هي من دبّرت وحرّضت والدها ليغير رأيه بعدما كان في صفها. وكانت ترى أن الرضوخ لهذا الأمر خسارةٌ لمعركتها ضدها.
حينها تدخلتُ كي لا يتفاقم الأمر وتبدأ مشكلةٌ جديدة نحن في غنىً عنها. فجلستُ أقنعها بأن تعدل عن رأيها وتذهب إلى أختها، وأن المسافة والبعد اللذين يفرضهما أهلها لن يفنيا عزيمتي، بل ستجعلني تلك المسافة أقوى من أي وقتٍ مضى.















