المتابعون

‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية رفات السراب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية رفات السراب. إظهار كافة الرسائل
الأحد، 22 فبراير 2026

رواية رفات السراب | الفصل الثالث : حين انفتح الباب




 الفصل الثالث : حين انفتح الباب 


طرقتُ الباب.

طرقة خفيفة…

كأنني أستأذن قلبي قبل أن أستأذنهم.

خطوات اقتربت من الداخل .

صوت نعال يلامس الأرض ببطء .

ثم صرير المقبض…

وانفتح الباب .

لم تكن هي .

كانت اختها .

رحبت بي بابتسامة عارضة  ، 

عكس تماما ترحيبها بالشاب القادم معي ، 

وكأن لسان حالها يقول " نحن في هدنة "

 واحمدالله انك دخلت البيت بفضل هذا الشاب 

بينما كان صدري يموج بعاصفة لا يراها أحد.

دخلت البيت…

البيت الذي طالما تخيلته خصما،

البيت الذي كان يغلق الخط في وجهي كل ليلة.

رائحة المكان كانت دافئة ،

بخور خفيف يتصاعد من زاوية المجلس،

وأصوات أوان في المطبخ.

جلست.

كل شيء كان طبيعيا…

إلا قلبي.

كانت عيني تتحركان بحذر،

تبحثان عنها في الممرات،

في ظل الجدران،

في انعكاس الزجاج.

ثم…

مرّت.

لم تدخل.

لم تتكلم.

مجرد عبور خاطف عند طرف الممر.

لكن الزمن توقف.

كانت هي.

لم تتغير ملامحها…

غير أن شيئا في عينيها بدا أعمق،

كأن الشهور تركت فيهما أثرها.

رفعت نظرها نحوي للحظة.

لحظة قصيرة…

لكنها كانت أطول من شهور الغياب.

لم تبتسم.

لم تعبس.

فقط نظرت.

وفي تلك النظرة

كان السؤال والجواب،

العتاب والحنين،

والألم الذي لم يُقال.

أخفضت عينيها سريعا،

وأكملت طريقها.

كأن شيئا لم يكن.

أما أنا…

فكنت أحاول أن أتنفس.

هل كانت تتجنبني؟

أم تحميني؟

أم تخشى أن تنفضح رعشة قلبها؟

مرّت دقائق ثقيلة،

حتى جاءت اختها تقول بهدوء:

"أحلام… سلّمي على الضيوف."

سمعت وقع خطواتها تقترب من جديد.

هذه المرة… لم يكن عبورا.

وقفت أمامي.

قالت بصوت خافت:

... أهلًا.

صوتها…

هو ذاته.

لم يغيره الحصار.

لم تكسره الشهور.

أجبتها بصوت حاولت أن أجعله ثابتا:

— أهلًا… كيفك؟

رفعت عينيها نحوي،

وفي عمقهما لمعت تلك الكلمة التي عشت عليها:

"أنا هنا."

لم تنطقها…

لكنني سمعتها.

بيننا كانت أختها تراقب بنظرات حادة،

وكان الصمت بيننا يمشي على أطراف أصابعه.

وقفت على عتق باب الغرفة ،

 تحاول ان تصطنع البشاشه في وجهها ، 

كي ترحب بقريبها الذي كان سببا في لقاءنا ، 

بعد هذا الحصار الطويل ،

 رغم اننا كنا قريبين من بعض  ، 

لكن في الحقيقة بيننا ألفُ حاجز.

لم يكن مسموحا لنا بالكلام الطويل،

ولا بالأسئلة المؤجلة،

ولا حتى بالاعتذار.

الحقيقة كانت واضحة:

لم يكن ما حدث نهاية.

بل كان اختبارا.

وحين انسحبت إلى غرفتها بهدوء اشبه بالنسيم الصباح 

تركت خلفها شيئا صغيرا…

ثقة خافتة

بأن الهدنة انتهت.

وأن القدر…

لم يجمعنا عبثا.

السبت، 21 فبراير 2026

رواية رفات السراب | الفصل الثالثة : هدنة مؤقتة

 




الفصل الثالث : هدنة مؤقتة 


وفي الليلة التالية…

اختارت أختها أن تضع أول قفل على صوتها.

منعتها من الجوال، متحججة بأنها هي من اشترته لها ، وكأن الملكية تمنحها حق السيطرة على أنفاسها. كانت محاولة يائسة لقطع ما بيننا… لكن وقعها كان قاسيا كحكم لا استئناف فيه.

اتصلت بها مرة… ومرتين… وعشرا.

كان الرد واحدا في كل مرة:

الرقم خارج نطاق التغطية… أو مغلق.

جملة آلية باردة،

لكنها كانت تسقط على قلبي كسكين.

هنا أدركت أنها أصبحت حبيسة أختها… بطريقة غير مباشرة.

لا قيود في يديها… لكن القيود كانت حول صوتها ، حول حريتها ، حول حقها في أن تقول: أنا هنا .


استمريت في محاولة الاتصال كل ليلة ، علّي أجد بقايا صوتها الناعم ،

همسة عابرة ، أنفاسا تقول لي إنها ما زالت تقاوم .

لكن النتيجة كانت واحدة…

إغلاق تام.

تسلل اليأس إلى قلبي العاشق ،

وبدأت أُرهق نفسي بالسيناريوهات :

هل رضخت؟

هل أجبرت؟

هل أقنعتها أختها أن الحب خطيئة؟

أم أنها اختارت الصمت لتنجو؟

أسابيع مضت…

ثم شهور .

حتى أيقنت أن الأمر لم يعد مجرد هاتف مغلق ،

بل عزلةٌ مقصودة،

وحصار بطيء.

كنت أعيش على ذكرى آخر كلمة قالتها:

...  أنا هنا .

وكنت أتساءل كل ليلة…

هل ما زالت هناك؟


ثم جاءت الصدفة…

أو لعلها لم تكن صدفة.

اضطررت للسفر إلى مدينتها، حيث تسكن أحلام.

كان السبب بسيطا في ظاهره : توصيل شاب يريد السفر و العودة إلى موطنه عبر تلك المدينة .

لكن الغريب…

أن أمّ ذلك الشاب ، وأحلام ، كانتا ابنتي خالة.

وكأن القدر لم يكتف بأن يجمعنا في مدينة واحدة…

بل أراد أن يضعني في قلب الدائرة ، بل بسقف واحد .

الأعجب من ذلك كله…

أن ترتيبات السكن جعلتني أقيم في نفس البيت الذي تسكنه.

حين أخبروني بالعنوان ، شعرت أن الأرض تميد بي .

أيعقل أن يكون هذا البيت ذاته الذي كان يحجب صوتها عني؟

البيت الذي كان يغلق الخط في وجهي كل ليلة؟

وقفت أمام بابه…

وقلبي يدق كما لو أنه يعود إلى الحياة بعد سبات طويل.

لم أكن أعلم:

هل سأراها صدفة في ممر ضيق؟

هل ستتجنب عيني؟

هل ستصمت؟

أم ستهمس من جديد :

... أنا هنا؟

رفعت يدي لأطرق الباب…

وأدركت أن الشهور التي مرت لم تطفئ شيئا.

كانت مجرد هدنة مؤقتة…

بين قلبي… والقدر .

رواية رفات السراب | الفصل الثالث : ثماني ساعات… وبيننا ألفُ حاجز




رواية رفات السراب | الفصل الثالث : ثماني ساعات… وبيننا ألفُ حاجز


في صباح السفر، كان القلق يختبئ في عينيها رغم محاولتها التماسك. أما أنا، فكنت أخفي خوفي بابتسامةٍ باهتة. قبل أن تغادر بساعات، أخذتها إلى أحد المحال، واشتريت لها شريحة هاتف جديدة، وقلت لها وأنا أضعها في يدها:

.. هذا الرقم لي وحدي… أريد أن أطمئن عليكِ كل ليلة.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:  وهل تظن أن المسافة ستمنعني من سماع صوتك؟

انطلقت السيارة .. وأخي إلى جوارها .. يطمئنها بأن الطريق آمن ، وأن ثماني ساعات ستمضي سريعا. 

كنت أراقب السيارة حتى غابت عن ناظري ، وكأن شيئا من روحي رحل معها.

في تلك الليلة ، لم أستطع الانتظار طويلا.

 حسبت الوقت ، وتأكدت أنهم وصلوا ، ثم اتصلت على الرقم الجديد . 

دقّ الهاتف طويلا ، قبل أن يأتي صوت امرأة يجيب ببرود :

— نعم؟

ارتبكت للحظة ، ثم قلت : مساء الخير… ممكن أكلم صاحبة الرقم لو سمحتي؟

جاءني صوتها هذه المرة حادًا : ولماذا تتصل على حريم الناس في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟

شعرت بجمرة تشتعل في صدري ، لكنني تماسكت وقلت بهدوء : إذا كان هذا الرقم يخصك فمن حقك تقولي ذلك .

 لكن إن لم يكن .. فأعطيني صاحبة الرقم لو تفضلتي .

ساد صمت ثقيل لثوان ، ثم سمعت همسا بعيدا ، وصوت خطوات تقترب. 

بعدها جاءني صوتها… خافتا ، مترددا:

.. : أنا هنا.

تنفست براحة وكأنني كنت أغرق ومن ثم نجوت . 

قلت : فقط أردت أن أطمئن عليك… هل وصلت بخير؟

قالت بصوت مكسور : نعم… وصلنا.

 الطريق كان طويلًا.

وقبل أن أكمل حديثي ، عاد صوت أختها في الخلفية المكالمة ، بنبرة لا تخلو من التهكم : ايها الفاسقان الوقت متأخر .

شعرت أن المسافة لم تكن ثماني ساعات فقط ، بل جدارا من التوجس والرقابة.  

قلت لها سريعا : لا تقلقي… أنا هنا. مهما طال الطريق ، سأبقى أبحث عنك.

أغلقت الخط ، لكن قلبي ظل معلقا هناك ، في بيت لم يكن يرحب بصوتي ، وفي مدينة بدأت تختبر صبرنا منذ الليلة الأولى.

ومنذ تلك اللحظة ، أدركت أن المعركة لم تكن بين أختين فحسب… بل بين ثقة تحاول أن تصمد ، وقلوب أخرى تخشى أن تختار طريقها بنفسها .

الجمعة، 22 مايو 2015

رواية رفات السراب .. الفصل الثالث .. بداية المشاكل




لتتصل بها مرةً أخرى، وتطلب منها أن تحجز أقرب تذكرة إلى مدينة المكلا، محل إقامتها. الغريب في الأمر أن لهجة أختها أوحت إليها بكثير من الشكوك، خاصةً وأن أختها الكبرى متزوجة وليس لديها أطفال، مما يعني أن سبب طلبها لتسكن عندها أمرٌ يدعو إلى كثير من التساؤلات.
لم تنتظر أحلام طويلًا لترفض طلبها، متحججةً: ماذا أفعل في المكلا؟ وما الذي سأفعله بينكِ وبين زوجك؟ فبهذه الكلمات عجّلت بفضح نوايا أختها الكبرى، التي صرخت في وجهها قائلة: وما الذي تفعلينه هناك؟ أم أنكِ لا تستطيعين مفارقة أحضان حبيبك؟!
سكتت في محاولة لفهم ما الذي يجري. فقبل عدة أسابيع اتصل بها والدها، واليوم تكشف أختها قناعًا طالما أخفته. ثم استجمعت كل ما تملك من قوة لتقول لها: ومن حبيبي؟
فقالت: الكل يعلم من حبيبك، فلا تحاولي أن تتظاهري بالغباء. ما الذي يعجبك فيه وأنتِ بهذا القدر من الجمال، وألفٌ يتمناك؟ ألم تلمح عيناكِ إلا هذا الفتى الذي ما زال طالبًا؟
قالت: لن أجيبك، لأنك لن تفهمي ما سأقوله. ولكن اعلمي يقينًا أنني لست قادمة إليكِ، فأنا اخترت كيف أعيش حياتي، فلا تحشري أنفك فيما لا شأن لكِ به. واهتمي بزوجك وبحياتك، ولا تنسي أنكِ أختي ولستِ وصيّةً عليّ، وحتى وإن كنتِ تكبرينني بسنوات، فحريٌّ بكِ ألا تحاولي قطع علاقتنا بهذه التفاهات التي لا أساس لها.
هكذا انتهى الحديث في تلك الليلة. بدأت تهدأ من روعها، وأدركت أن من حق أختها أن تطمئن على مستقبلها، وأن تضمن لها حياةً سعيدة. لم يكن لكلامي أثرٌ عميق في نفسها، بل كانت شاردةً طوال حديثي معها. فقلت لها بصوتٍ خافت، وأنا أمسك بمعصميها: ما الذي يحزنك؟ أتخافين إن ابتعدتِ عني ألا أجد طريقًا يوصلني إليكِ؟ لو ذهبتِ إلى آخر العالم، سأجد طريقًا أصل به إليكِ.
بهذه الكلمات أخمدت براكين كادت أن تثور.
وفي الليلة التالية اتصل بها والدها ليفهم الخلاف الذي دار بينها وبين أختها، ولماذا ترفض أن تسكن معها، خاصةً وأنها أقرب الناس إليها. ثم ختم كلامه قائلًا: احجزي أقرب تذكرة واذهبي إلى أختك، ولا أريد أن أتصل بكِ مرةً أخرى.
لم تقتنع بكلام والدها، فقد كانت ترى أن السفر والسكن مع أختها أمرٌ غير صائب، وأن أختها هي من دبّرت وحرّضت والدها ليغير رأيه بعدما كان في صفها. وكانت ترى أن الرضوخ لهذا الأمر خسارةٌ لمعركتها ضدها.
حينها تدخلتُ كي لا يتفاقم الأمر وتبدأ مشكلةٌ جديدة نحن في غنىً عنها. فجلستُ أقنعها بأن تعدل عن رأيها وتذهب إلى أختها، وأن المسافة والبعد اللذين يفرضهما أهلها لن يفنيا عزيمتي، بل ستجعلني تلك المسافة أقوى من أي وقتٍ مضى.
السبت، 16 مايو 2015

رواية رفات السراب | الفصل الثاني : المبالغ المشبوهة وأوهام الخيانة








احتارت أحلام كثيرًا بالمبلغ الذي وصلها، بين أن تصرفه على حاجياتها اليومية، أو تتصدق به كحسنة تحسب في ميزان أعمالها.
كنت أجلس أمامها، أراقب كل حركة، وكل تفكير يختلط على ملامحها، وسألتها بصوت متردد:
ـ "ما هذا المبلغ يا أحلام؟"

ابتسمت، ووضعت يديها على يدي:
ـ "هذا ما أرسله العجوز، في محاولة بائسة لشراء قلبي يا زياد. وأنا أضعه بين يديك لتتصرف به كما تشاء، ولتعلم أن إحساسي فيه لم يخِب يومًا."

سكتت الكلمات في حلقي، وبدأت تراودني الشكوك والأوهام. هل الجميع متآمرون ضدي؟ هل أصبحت كل المدن التي أسافر إليها مأوى للحاقدين والمنافقين، رجال أفنوا عمرهم في محاربة الحب وإطفاء البسمة؟
تسائلت في نفسي: كيف وصل هذا المبلغ لأحلام؟ وهل قبلته؟ ولماذا تضعه أمامي بهذا الشكل؟

لكن حين انفجرت ضاحكة، قالت:
ـ "أتعتقد حقًا أني قبلت منه؟"
ـ "إذاً كيف أوصله لكِ؟" سألتها.
ـ "لا يا زياد، أنا حبيبتك. لم أفكر يومًا أن أخطو خطوة دون أن أستشيرك، ونحن تواعدنا أن نتشارك الحياة بكل تفاصيلها."

كان حديثها بمثابة هدوء بعد العاصفة، وكأنه يربط قلبي بقلبها بقوة لا تنكسر.
ـ "ليس لديه الجرأة ليعطيني المبلغ بنفسه، أرسله عن طريق صرافة باسمي… وحين ذهبت لأستلمه، اندهشت لمعرفة اسم المرسل."

غمرني الغضب، كيف لهذا العجوز الهرم أن يخطو هذه الخطوة الجريئة؟ شعرت بالضعف، وكأني قليل الخبرة في فنون إدارة الحروب العاطفية مع أشخاص خبروا الحياة سنوات طويلة.

لكن في تصرف أحلام كان العلاج لكل هذه المشاكل، بحكمتها وعقلانيتها المتواضعة، وبقدرتها على قراءة النفوس.
فهي تعرف أن بعض الرجال يظنون أن المال يشتري كل شيء، وأن النفوس يمكن ترويضها بالدرهم والدينار، لكنها تعلم أن الحب أعمق وأسمى من كل الأموال.

كان واضحًا أن العلاقة معها أشبه بعلاقة روحانية، كل واحدة تمجد الآخر بطريقتها الخاصة.
فالمرأة دون المال قد تشبه شجرة في صحراء قاحلة، لكن المال ليس كل شيء، ولا كل غني يمنحك السعادة، فهو مجرد قطرات ماء قد تروي العطش، وقد تسمم الحياة إذا أرسلت بلا حكمة.

لكن الشكوك استمرت، خصوصًا بعد أن وصل حديث عشقنا إلى أختها الكبرى، عائدة من الصومال، حاملة الحقد والغيرة، لتزرع الفتن بيننا.
هنا، أدركت لأول مرة حجم زيف الأقنعة التي يضعها بعض الناس، وكم من الوجوه المتضاربة يمكن أن تحملها نفس الأسرة في سبيل المصلحة والمنفعة.

كانت تلك صدمة أخرى، فقد اكتشفت أن وجهًا لطالما اعتبرته العطف والحنان، يحمل الآن طعم الغدر.
لم تشفع السنين التي تقاسمتها معها، ولا المودة التي نشأت بيننا.

لم يتوقف جوالها عن الرنين، الكل يسأل، الكل يحاول جس نبضها، وهي مستميتة على رأيها: لا شيء من الأقاويل حقيقي، مجرد صداقة وأخوة.
لكن الكل أصر على شكوكه، يشككون بطهارتها وعفتها، ويحاولون ربط اسمها بمغامرات وهمية، ويجعلون أهلها تحت ضغط الاختيار: أن يزوجوها رغم عنهم أو يرموا سمعتها في بحر القيل والقال.

تأزم الوضع، حتى تدخل والدها، بمقارنة مع باقي العائلة، كان أكثر إنسانية وانفتاحًا، واستطاعت أحلام أن تقنعه بجانبها، فعم الهدوء قليلًا، لكنه لم يدم طويلًا.

فقد عادت أختها الكبرى لتزيد من توتر البيت، متناسية كل ما قدمته أحلام لها أثناء مرضها المزمن، من سهرة لياليها وخدمتها.
ومع عودتها من الصومال، بدأت مشاكل لا تنتهي، كأن البيت تحول إلى ساحة حرب بين الحقائق والأكاذيب، بين الحب والغيرة، بين العقل والهوى…

رواية رفات السراب | الفصل الثاني .. خاتم الذكريات




هرعت هي إلى غرفتها، ولم أفهم ما أصابها.
حتى عادت إليّ، وعيناها تلمعان، لتطلب مني أن أبسط يدي اليسرى أيضًا.

أظهرت لي خاتما كانت تحتفظ به منذ شهور، أرادت أن تلبسني إياه من قبل ، لكن الفرصة لم تسنح لها إلا اليوم.
ربما كانت تنتظر تلك اللحظة بالذات… برغم أن الخاتم ليس خاتم خطوبة، وليس خاتمًا فريدًا، إلا أنه كان يحمل في جعبته أسرارًا، حكايات صغيرة كتبت على ذاكرة الخواتم التي زينت أصابعي على مر السنين.

لم أكن أتخيل أن لخاتمٍ صغير هذا الوزن العاطفي، هذه القدرة على حمل قصة كاملة، حتى وإن اختفى الآن وبات مكانه خاتم آخر.
كيف للخاتم أن يحمل كل تلك الهموم في جعبته؟ وكيف للخواتم أن تحمل طابعًا يزيّف الحقائق؟
لقد زيف ذاك الخاتم مع السنين معانٍ كثيرة، مثل الخواتم الأسطورية في الروايات، لكنه لم يكن أسطوريًا في روايتي… إلا أنه أصبح أسطوريًا في ذاكرتي، في قلبي، وفي اللحظة التي لمست فيها يديها.

كرهت ذاك الخاتم بكل ما يحمل من ذكريات بيننا.
لا أدري هل هو اليوم في حوزتها، أم أن بقاياه ما زالت عالقة في ذاكرتي، وكيف سيعود إليها يومًا؟


---

من المؤسف أن ترى أقرب أعدائك هم أقرباؤك، وأنهم يريدون إزاحتك عن مكانك.
كثيرًا ما كانوا ينظرون إلى علاقتنا بنظرة احتقار وكراهية، وكأنني سرقت قلوبهم عنوة.
لكنها، بحكمتها، لطفت شرارة أعينهم بعبارة واحدة:

> "الحب لا يخلو من الحساد."



ابتسمتُ، وهدأت نفسي، خاصة حين رأيت في بريق عينيها الإصرار على التمسك بي مهما حدث، مهما واجهنا من عراقيل في طريقنا.

في أغسطس عام 2007م، دخل أحد الكهول صراعًا جديًا.
مغامرًا بكل ما يملك من ثروة، فارشًا لها الورود على البساط الأحمر، كمن يحاول فرض وجوده، كمن يريد إثبات أنه الأفضل.
ما كان يشغل تفكيري: كيف لهذا العجوز أن يعرف عنها كل شيء، برغم حداثة وصوله إلى المدينة؟
أم أن الأشجار والشوارع والأبنية هنا لا تتحدث إلا عنها؟
أم أن القدر المشؤوم لهذا الحب لا نهاية له؟

وقفت هناك، أنظر إلى الخاتم بين أصابعي، وأشعر بثقل كل الذكريات التي يحملها…
كل لحظة ضحكنا فيها، كل همسة عشق، كل دمعة ألم، وكل خطوة تجاه الفرح… كانت محفورة فيه.
كنت أشعر وكأن العالم كله أصبح صامتًا، إلا أنا وهي والخاتم… رمز علاقتنا، وحامِل أسرارنا.

انتهت اللحظة، وانتهى كل شيء… أم أنه مجرد بداية لتحديات أكبر تنتظرنا في الطريق؟

رواية رفات السراب | الفصل الثاني: خاتم الذكريات











هرعت هي إلى غرفتها، ولم أفهم ما أصابها.
حتى عادت إليّ، وعيناها تلمعان، لتطلب مني أن أبسط يدي اليسرى أيضًا.

أظهرت لي خاتما كانت تحتفظ به منذ شهور، أرادت أن تلبسني إياه من قبل ، لكن الفرصة لم تسنح لها إلا اليوم.
ربما كانت تنتظر تلك اللحظة بالذات… برغم أن الخاتم ليس خاتم خطوبة، وليس خاتمًا فريدًا، إلا أنه كان يحمل في جعبته أسرارًا، حكايات صغيرة كتبت على ذاكرة الخواتم التي زينت أصابعي على مر السنين.

لم أكن أتخيل أن لخاتمٍ صغير هذا الوزن العاطفي، هذه القدرة على حمل قصة كاملة، حتى وإن اختفى الآن وبات مكانه خاتم آخر.
كيف للخاتم أن يحمل كل تلك الهموم في جعبته؟ وكيف للخواتم أن تحمل طابعًا يزيّف الحقائق؟
لقد زيف ذاك الخاتم مع السنين معانٍ كثيرة، مثل الخواتم الأسطورية في الروايات، لكنه لم يكن أسطوريًا في روايتي… إلا أنه أصبح أسطوريًا في ذاكرتي، في قلبي، وفي اللحظة التي لمست فيها يديها.

كرهت ذاك الخاتم بكل ما يحمل من ذكريات بيننا.
لا أدري هل هو اليوم في حوزتها، أم أن بقاياه ما زالت عالقة في ذاكرتي، وكيف سيعود إليها يومًا؟


---

من المؤسف أن ترى أقرب أعدائك هم أقرباؤك، وأنهم يريدون إزاحتك عن مكانك.
كثيرًا ما كانوا ينظرون إلى علاقتنا بنظرة احتقار وكراهية، وكأنني سرقت قلوبهم عنوة.
لكنها، بحكمتها، لطفت شرارة أعينهم بعبارة واحدة:

> "الحب لا يخلو من الحساد."



ابتسمتُ، وهدأت نفسي، خاصة حين رأيت في بريق عينيها الإصرار على التمسك بي مهما حدث، مهما واجهنا من عراقيل في طريقنا.

في أغسطس عام 2007م، دخل أحد الكهول صراعًا جديًا.
مغامرًا بكل ما يملك من ثروة، فارشًا لها الورود على البساط الأحمر، كمن يحاول فرض وجوده، كمن يريد إثبات أنه الأفضل.
ما كان يشغل تفكيري: كيف لهذا العجوز أن يعرف عنها كل شيء، برغم حداثة وصوله إلى المدينة؟
أم أن الأشجار والشوارع والأبنية هنا لا تتحدث إلا عنها؟
أم أن القدر المشؤوم لهذا الحب لا نهاية له؟

وقفت هناك، أنظر إلى الخاتم بين أصابعي، وأشعر بثقل كل الذكريات التي يحملها…
كل لحظة ضحكنا فيها، كل همسة عشق، كل دمعة ألم، وكل خطوة تجاه الفرح… كانت محفورة فيه.
كنت أشعر وكأن العالم كله أصبح صامتًا، إلا أنا وهي والخاتم… رمز علاقتنا، وحامِل أسرارنا.

انتهت اللحظة، وانتهى كل شيء… أم أنه مجرد بداية لتحديات أكبر تنتظرنا في الطريق؟


رواية رفات السراب | الفصل الثان ... هدية القلب














قال لي بابتسامة ماكرة:
ـ "أذن، اشتري لها عقدًا أثريًا، أو احمل لها متحف صنعاء الدولي، ولتختَر لنفسها هدية ترضي غرورها."

ضحكتُ بصوت عالٍ، وانفجرتُ من فرط الدهشة والمتعة، قلت له:
ـ "تصدق أني وجدت عقدًا ثمينًا، لكنه غالٍ جدًا! فبربك، قل ولا تؤخرني، ولا تجعل أمري أعسر."

اقتراحه التالي جاء مفاجئًا:
ـ "ما رأيك لو تشتري لها ساعة نسائية؟"

فور سماع هذه الفكرة، شعرت بالانبهار. كيف لم يخطر هذا ببالى من قبل؟
أغلقت المكالمة في وجهي، ومن شدة لهفتي نسيت أن أودعه، وأن أشكره على نصيحته الثمينة.

بدأت رحلة البحث، دخلت كل معرض ساعات في المدينة، لم أجد ساعة تناسب قلبي، وربما كنت أخاف ألا يعجبها ذوقي.
كنت أتردد، أقول للبائع: "هات أفضل من هذا"، فيأتي بقريب يشبهه، فأحتار في الاختيار.
حتى أنني طلبت منه أن يختار لي إحداها، وبالفعل اختار واحدة أبهرت قلبي.

برغم أن العقد يختلف عن الساعة، إلا أنني شعرت أن لا فرصة لترتديه، كأن القدر أراد له أن يعلق على عنق امرأة أخرى في مكان آخر.
اشتريت بعض الهدايا لأهلي، محاولةً مني للحفاظ على ماء وجهي، كي لا أبدو عاشقًا هائمًا، مرهفًا، واقعًا في شباك الحب.

المضحك في الأمر، أنني رجل كثير السفر، لم أشتري هدية لأحد طوال حياتي، وها أنا اليوم أفهم لغة الرومانسية والأناقة، خاصة إذا كانت الفتاة ناعمة، تنتظر بفارق صبرٍ شديد.

انتظرت طويلًا لأتفرّد بها في زاوية قرب المطبخ، لكن المكر الأنثوي سبقني، وقالت:
ـ "أرى أنك اشتريت الهدايا للجميع، ولم تنس أحدًا إلا أنا!"

ابتسمت وقلت لها:
ـ "وهل يمكن أن ينسى الجسد روحه؟"

طلبت منها أن تغمض عينها، وأمسكت يديها، ثم أخرجت الساعة المغطاة بعلبة وردية اللون.
ـ "افتحي عينيك، وانظري ما بين يديكِ."

كانت اللحظة مشحونة بالحماس، وعندما طلبت منها أن تلبسها أمامي، شعرت بأن قلبي يرتجف من فرط الفرح.

كانت الساعة مثالية اللون، تناسب ذوقها تمامًا.
جلست طويلًا أشرح لها كيفية قراءة الوقت، فالأسهم بالنسبة لها كانت لغزًا جديدًا، وأنا أستمتع بكل ابتسامة، وكل نظرة متفحصة تعكس دهشتها.

تلك اللحظة لم تكن مجرد هدية، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن كل ما في قلبي: الحنين، الحب، والحرص على إسعادها.
===================
 هوامش : {3 }: متحف صنعاء الدولي : المتحف الوطني في العاصمة اليمنية صنعاء يعود تاريخه إلى بداية السبعينات ويقع مقره في أمانة العاصمة بالقرب من ميدان التحرير.

رواية رفات السراب ، الفصل الثاني .. مدينة البردوني












في مساء هادئ، وأجواء باردة للمدينة، أصبح كل شيء موحشًا.
حتى مع الأضواء التي تزين المكان وتجعل المدينة رائعة، شعرت بوحدةٍ داخليّة.
كانت عيني تسجل كل شيء، حتى تشابك أصابع العشاق المارين أمامي.

هنا، الحب مقدّس بمشاعر شاعرية، قد يغريك لتأليف قصيدة أو كتاب يحمل أجمل فصول الحب.
هناك، في مدينة حبيبتي، الحب مقدس بطريقة وحشية،
لكن الشوق المستمر يحملني إليها، كأنني العاشق الوحيد هنا، أو غريبٌ نزل بمدينة لا يفقه قولها، أو ميت عاطفيًا بين أحياء وأزقّة تفوح منها روائح المحبين.


ألتفت يمينا وشمالا ، لأرى هل هناك شارعا يوصلني لدار حبيبتي ، لكن الشوارع لم تكن تتشابه شوارع حبي ، فقد كانت موحشا بكل ما يملكون من زينة ، حينها تذكرت كلمات محمود درويش وكأنني قد مت قبل الآن أعرف هذه الرؤيا ، وأعرف انني أمضي إلى ما لست أعرف. ربما ما زلت حياً في مكان ما ، وأعرف ما اريد سأصير يوماً ما أريد هاتفتها لعل بكلماتها قد تعيد لأهل المدينة أنسها ، لعل قد ترسل قبلات تزين هذا الشارع الموحش ، لم يكن الامر سهلا لمدينة تغزل بها كبار الادباء .

 وحضنت عبد الله البردوني {1} ان حصرها ثقافيا واجتماعيا ، قد كان الامر اشبه بقياس خصرها الذي لطالما أعتصم على تحديد قياسها ، في محاولة لقتل الملل ذهبت اتجول بالمدينة ، ابحث عن معالم تاريخية قد تجعلني اقارن بين معالمها الفتانة من جهة ومعالم تاريخية التي تحتضنها اقدم عاصمة في العالم من جهة اخرى ، لم القى ما يشبها إلا المعرض الفني ، كان مليئاً برسومات قرب لي تفاصيل اختيار ألوان الثياب التي تفضلها .

 وفي محاولة لرشوة تلك الرسومات لعلها قد تخبرني مدى العلاقة التي تربط بينهما ، إلا انني لم اجد تلك العلاقة فأخذت التقطت بعض الصور فربما يجمعنا القدر سويا مع تلك الرسومات . مع اقتراب موعد عودتي الى الغيضة {2} ذهبت الى شارع الحب "جمال " ليلاً ، وسمي بهذا الاسم ، لكثر ارتياد العاشقين هناك ، ليس في محاولة لمعرفة اسرار العشاق ، وإنما لشراء هدية ثمينة ارشي بها نحرها الذي لطالما عجز ابياتي ان تسطر لها .

 دخلت احد معارض المجوهرات ، وجلست اتصفح جميع المجوهرات التي علقت على جدرانه ، وأنا اتخيل جميعها على صدرها ، إلا ان رأيت عقدا كان الاجمل في تصويري بينهم ، سالت صاحب المعرض بكم هذا العقد ، قال 30 الف ريال يمني ما يقارب 150 $ . اخرجتٌ محفظتي ، لعلي أجد فيها هذا المبلغ الكبير ، مع انني لا احمل حتى نص هذا المبلغ ، إلا أن ما جعلني احاول فحص محفظتي لعل القدر قد يسلفني هذا المبلغ لأرد له يوما ما .

 حاولت كثيرا تجاهل ذاك العقد الفريد ، وما يلهمني من صور خيالية ، لم اكن كخالد بن طوبال حين اشترى الموسلين الأسود ليهدي لحبيبته بعد اكثر من شهرين في رواية "عابر سرير"{3} لتقول بخبث أنثوي ، لمن هذا الثواب ، اهو لصاحبة المنزل ، ولك الامر كان شتان بيني وبين خالد ، فقد كان بموسوعي ان أهدي هذا العقد لها دون ان تتهمني بخبث أنثوي وألا أنتظر الصدفة لتجمعني بها ثم اهدي لها . كنت مندهشاً من تصرفاته وهل يمكن للعشق ان ينعطف بنا لهذا المنعطف ، وهل يمكن أن نرى الاشياء التي تليق بهم دون ان يلبسوا ، ثم يأتي القدر ليجتمع ذاك العقد مع ملهمته ، لتكتب فصول رواية اخرى .

كيف لي ان احكي يوما عن عقدا تمنيت ان يعلق على عنق إمراه متدرجا ، كمتدرجات حلبة اثينا التاريخية ، وكيف لعنقها الذي يستهوي أمطار ريق شفتاي وأحاسيس يدي التي لم تجد صعوبة في تخلخل لمسامات شعرها الناعم و لطالما لم تزين عنقها إلا قبلاتي المسروقة . هكذا ودعت ذاك العقد ، وعيني قد حفظت صورته في قلبي ، ربما يوما ما التقي به بمكان اخر ثم اشتريه لانتظر اعوام اخرى قد تجمعني صدفة كما جمعت خالد بحياة في قلب باريس ليهديها ، ثوب الموسلين الاسود وهو لا يدرك ربما حياة لم تعد بنفس مقياسها قبل عدة سنوات . من يدري قد اهديها هذا العقد وعنقها قد زين الالف المجوهرات فيكون كنقطة حبر سقطت من ريش فنانا رسما يرسم لوحة لأميرة بريطانية فشوهت الصورة بتلك النقطة ، هكذا كان خوفي بان يشوه عقدي عنقها ان اختلف الوقت والزمان . 

هاتفتُ على عجلا صديقا لي يفهم اسرار النساء وقد اجاد التعامل في مثل هذا الظروف ، قلت له وقد تشعب الامر علي ، ما هي اجمل هديه اهديتها لحبيبتك وليست مكلفه ، فرد لي بأسلوب مازحا ، اهديها قلبك ، انفجرت غاضبا ، وقلت له : الذنب ذنبي لأني استشرتك . فرد علي : امزح معاك ، و نسيت ان بقاموسك المزح ممنوع ، قلت : امزح ولكن ليس هذا الوقت ، الا تعلم اني قد تهت بالمحلات وانا ابحث عن هدية لها ، وقد احترت كثيرا فيما اشتري لها كهدية . رد : بربك ، الم تجد في صنعاء هدية لحبيبتك ، احسستني يا زياد بان حبيبتك أميرة من بلاد الواق واق ، كان لحسه الفاكهي اثر كبير في تخفيف معاناتي قلت : نعم هي اميرة ، ولكن ليست من تلك البلاد ، انها اميرة من اميرات آل المعتمد .


لخبث مني في محاولة جذبه ولفت انتباهه قصة الامير المعتمد ابن عباد {4} الذي احب الجارية اعتماد الرميكية {5} حتى اسمى نفسه الملك المعتمد بالله ابن عباد .





==========================
هوامش : {1}: عبدالله البردوني : شاعر وناقد أدبي ومؤرخ يمني تناولت مؤلفاته تاريخ الشعر القديم والحديث في اليمن . {2}: الغيضة : هي عاصمة محافظة المهرة في أقصى شرق اليمن ، على حدود سلطنة عمان . {3}: رواية عابر سرير : هي ثلاثية الروائية أحلام مستغانمي بعد روايتيها ذاكرة الجسد الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي وفوضى الحواس الرواية الثانية في الثلاثية وصدرت عام 2003 للميلاد . {4} : المعتمد ابن عباد : هو ثالث وآخر ملوك بني عباد في الأندلس، وابن أبو عمر المعتضد حاكم إشبيلية، كان ملكاً لإشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف قبل أن يقضي على إمارته المرابطون . {5}: اعتماد الرميكية :هي شاعرة أندلسية ، كانت جارية لرميك بن حجاج فنسبت إليه تزوجت المعتمد بن عباد.


رواية رفات السراب | الفصل الاول ..رحلة البُعد والاشتياق

      










كنت متحمسًا لحديثه كثيرًا، لأعرف عن ماضيها، عن أسرارها، عن كل ما خبأه قلبها لي.
ربما ترك كلامه أسًى كبيرًا في قلبي، وأسئلة كانت تلاحقني بلا توقف.
لكن جواب تلك الأسئلة كان واحدًا ووحيدًا: من أنت؟ فهي ليست حبيبتك، ولم تُصارحك بحبها، فلماذا كل هذا الأسى على ماضيها؟

تسلّل الحزن إليّ تلك الليلة، حتى بدا واضحًا على وجهي، على نظراتي، على صمتّي.
هرعت إلى مفكرتي الإلكترونية لأبوح لها بما يملأ صدري من ألم، كعادتها، أو كعادة قلب عاشق يبحث عن عشقه، أو كحمامةٍ زاجلة تحمل رسائل غرامية، جلست بجانبي قائلةً:
ـ "ما هذا البؤس على محياك؟ وما هذا الحزن في عينيك؟ وما هذا  النار التي تحرق قلبك؟"

قلت لها بصوتٍ خافت:
ـ "نار الكذبة التي سقيت بها قلبي المسكين، والأوهام التي زرعتها في أحشائي."

ثم التفت إلى الجهاز قاصدًا تجاهلها، لكنها اقتربت اكثر وقالت:
ـ "انظر إلي وأنت تحدثني… ما بالك؟ وما هذه الكذبة التي سقيت قلبك ، والأوهام التي زرعتها في أحشائك؟"

لم أستطع مجاراتها، فانفجرت بكل ما أحمل في داخلي، كطفلٍ صغير أضاع دميته، فهرول إلى حضن والدته باكياً ، وهي تواسيه بابتسامة حنونة، و تقول:
ـ "لا عليك… سأشتري لك أحسن منها."

لم أستفق إلا على قهقهتها التي امتلأ بها المكان، ثم أكملت ضحكها، شبيهًا بالضحك الهستيري، قائلةً:
ـ "ماذا؟ لي ابن وأنا مطلقة؟ بربّك، أأنت تمازحني؟"

تغلبت على نفسي، وبعد صمتٍ طويل، قلت:
ـ "نعم، هكذا قيل لي."

نبرة صوتها الحنونة، التي عهدتها، ألطفت أجواء غرفتي المكتظة بدخان البراكين الذي كان يخرج من فوهة قلبي، الممزوج بتساؤلاتٍ لم تكاد تفارق تفكيري:
أيعقل أن تتبرّأ من طفلها الذي لم يكبر بعد؟
لا طبعا فليس هنالك اما تتبرأ من ضناها  وفلذة كبدها ..!!

بهذا السؤال تبددت سلسلة تساؤلاتي المشؤومة، وامتلأ قلبي بالفرح والبهجة، وكأن هذا اليوم هو يوم ميلادي.
اقتربت منها ، وضمّت يديها إلى يدي، وحرارة جسدها تسري في جسدي.
همست باذني :
ـ "أيها العاشق المسكين ، ألم تسأل نفسك لماذا هذه الإشاعات تنقل اليك؟ ألم تدرك بعد أنهم لا يريدونني بقربك؟ وأنهم قد أدركوا عشقي لك؟"


---

ذات مرة، شاهدت فيلمًا مصريًا باسم "رجال بلا ملامح"، بالأبيض والأسود، إن لم تخنني الذاكرة.
لم أكمله بسبب طفلٍ مشاكسا  قطع متعة الفيلم، لكنه علّمني شيئًا مهمًا: من الصعب أن نحتفظ بملامح كل من مرّوا بحياتنا، ربما لأن العلاقة معهم لم تكن سوى علاقة عمل.
وبمجرد انتهائها، يختفون من حياتنا، وربما نصادفهم مرة أخرى، لكن من الصعب ان نمييزهم، فجميعهم أصبحوا رجالًا بلا ملامح.

وهكذا تعرفت على وجوه كثيرة لا اتذكر ملامحها واصحابها ، ولكن اتذكر ملامح ذالك الشايب  أيضًا ينافسني على حبها، يتردد إلى بيتها لتقديم المغريات، أو لإثبات ثرائه الفاحش .
ما جعلني اميز هذا العجوز  انه في  سبعينات من عمره ،كما انه  أعلن الحرب علي صراحة.

ليلةً من ليالي العشاق، تسلّلنا عن أنظار الآخرين، لنلتقي في ساحة حبنا، لنجدّد العهد ونتبادل نظرات اللهفة والشوق.
في تلك اللحظة، هاتفها أحد أولئك الرجال بلا الملامح، رجلٌ كبير بالعمر، ولديه  زوجة وأطفال.
تجاهلته كثيرًا مراعاةً لشعوري، لكنها أرادت أن تثبت سبب نشوء الشائعات، وأن رواجها كان بيد رجال لا يعرفون سوى لغة المادة والمغريات.

كانت نظرتهم لنا: امرأة جميلة مثلها لا تستحق أن تُضيّع شبابها مع شابٍ في مقتبل العمر لا يدري من الحياة شيئًا.

وفجأة، ومن دون سابق إنذار، طلب  مني أن أتجهّز للسفر إلى صنعاء.
عمّ الحزن قلبي على فراقها، وتسارعت عقارب الساعة.
كم تمنيت أن تتوقف عقارب الزمن في تلك الليلة، وهي واقفة أمام باب غرفتي، تودّعني بنظراتها المليئة بالدموع، دموع الأحبّة ، حتى وإن كانت هذه الدموع ذُرفت لأجلي.

كم تمنّيت أن أرى دموعها لأدرك أن ما بيننا ليس حبًا عاديًا، بل هيام وشغف يمتزجان بجنون عاقل.

في السابق كنت أشك في ذلك، كيف يمكن لشخص أن يذرف دموعًا لأجل  الحب؟
وهل الحب شيء ظاهري ليستحق الإيمان به؟

كنت أظن أن ما يربط الرجل والمرأة ليس سوى شهوة عابرة، لكن القدر أثبت لي أن ما يربطهما أعظم من ذلك… أن الحب أسمى وأجلّ من مجرد رغبة عابرة.

قبل دقائق من مغادرتي، اتصلت بها لأقول:
"من الصعب أن أترك مدينة تسكنينها، لكن وعدًا مني، سأكون أمام غرفتكِ بأقرب وقت."

كانت هذه الرحلة المفاجئة بمثابة إكسير حبنا، ولأول مرة أسمعها تقول لي :

> "أحبك… وانتبه على نفسك."



خانني لساني، وخانتني أحرفي، لم أستطع أن أقول لها ما أريد بجرأة مثلها، مع أن مشاعري واضحة كوضوح الشمس في كبد السماء.
فهي لا تنتظر شيئًا مني، بل تلاحظ لغة عينيّ التي أفصحت عما لم يستطع اللسان.

قلت في نفسي: كيف أتحمّل بعد هذه العبارة؟ لقد زادت معاناتي أكثر من أي وقت مضى.


---


رواية رفات السراب | الفصل الاول .. ( حين تكلّم العطر )










كنت أسمع نبضات قلبها كما يسمع المسافر وقع المطر بعد طول جفاف.
أنفاسها تتسلّل إليّ، شهيقها وزفيرها يختلطان بدقات قلبي، فيغدو المكان ضيقًا بنا، كأن الهواء نفسه يخجل من البقاء.

ضعتُ وأنا أتأمّل أسرار وجهها، تفاصيل خدّيها وحدودهما، تلك الظلال الخفيفة التي ترسمها الإضاءة على بشرتها السمراء.
ثم التفتت نحوي فجأة، فتقابل الوجهان… ولا يفصل بينهما إلا حدُّ شعرة، أو أقلّ من ذلك.

كانت تحاول أن تروض "الماوس" (2) الذي لا يطاوعها، تغضب منه كما لو أنه كائنٌ يعبث بها عمدًا.
تارةً يهرب إلى اليمين، وتارةً أخرى يفرّ إلى اليسار، وهي تضحك وتتمتم بكلماتها المتعثّرة.

لم أستطع المقاومة.
مددت يدي، فأمسكت بيدها والماوس معًا، وبدأت أريها كيف تُسيطر عليه.
لم أكن أكترث بتمرّده على أوامرها، بقدر ما كنت مأخوذًا بملمس يدها، بذلك الدفء الناعم الذي جعل عقلي يضيع تمامًا.

كان لعطرها أثر السحر.
لم أكن خبيرًا بالعطور النسائية، ولا أعرف أسماء الماركات، لكنّ ما تناثر منها على أناملي تسلّل إلى صدري كقصيدةٍ لم تُكتب بعد.
رذاذٌ خفيفٌ عانق أنفاسي، واستقرّ على ثيابي كأثرٍ لا يُمحى.
بين نعومة يدها والعطر الذي يفوح منها، راودني شعورٌ غريب، رغبةٌ جامحةٌ في أن أقبّل رقبتها، وأضمّ عالمها إلى عالمي الصغير، كأنني أمتلك مفاتيح بوابات عالم كنت اسمع عنها في قصص الف ليلة وليلة ، واقول في قرارة نفسي لم أُخلق  لطرقها.

غمرتني فرحةٌ هادئة، وأنا أستنشق ما تبقّى من رذاذ العطر العالق بيدي.
كانت الصور تتزاحم في ذهني، ومشهدها أمامي لا يفارق خيالي.
لكنّ فرحتي لم تكتمل.
مخاوف كثيرة بدأت تتسلّل، تهمس في أذني:
أيعقل أن العشق الذي كنتُ أكتبه في نثري وتعابير قلمي قد تجسد  من مداد  اوراقي  ليقتحم واقعي البسيط؟
هل جاء إليّ، عابرًا البحار، ليقيم داخل أسوار قلعتي القديمة؟

وإن يكن…
فما بعد العشق  ياترى ..  الهاوية !!

افترقنا تلك الليلة، والبهجة ما زالت تسكن ملامحنا.
كنت أعلم أن شيئًا ما تغيّر، وأن العاشق قد عثر على عشيقته، والحبيبة أيقنت أن الحبيب لم يعد عابر طريق، بل غارق حتى النخاع في نسيجها.


---

لكن لا شيء في هذا العالم لا يكتمل.
حتى الفرحة ، لها عمر قصير، كزهرةٍ تُزهِر على أطراف الصحراء.
بدأت القصص تُحاك من حولنا، والأكاذيب تتكاثر في الخفاء كالدخان.

في إحدى الأمسيات، جلستُ قرب دكّة المسجد المجاورة لمنزلنا، حيث يجتمع المارّون آخر الليل.
كان معي صديق عمري، ومعنا رجل غريب يُدعى عبد الرحمن، جاء من وراء البحار مثلها.
كان يعرف لغتها… ويبدو أنه أدرك ما لم أدركه بعد: لغة قلبها.

تحدّث طويلًا، بصوتٍ هادئٍ يحمل خبثًا مستترًا.
لم يذكرها صراحة، لكنه كان يوجّه سهامه نحوي، بعباراتٍ ملفوفةٍ بالنية المبيّتة.
كنتُ أستمع، قلبي بين التصديق والرفض.

ثم قالها أخيرًا، بنبرةٍ أقرب إلى الطعنة:

> "إنها امرأةٌ بكل ما تحمل من  معنى هذه  الكلمة، 
قلت : طبعا ولا هي رجل متنكر على هيئة إمراة .
قال : لا اقصد انها إمراة مطلقة وليست بكر 
 … ولديها طفلٌ في السابعة من عمره."



تجمّدت.
لم أنطق بحرف.
كانت الكلمات كحجرٍ سقط في بركة قلبي، فبعثر سكونه.

في تلك اللحظة فقط، أدركت أن نهايات الحزينة لقصص العشاق التي خلدت في العالم سببها اناس حاقدون .


---

هامش:
(2) الماوس: فأرة الكمبيوتر.


 .

رواية رفات السراب | الفصل الاول..( في حضرة أحلام )











في حضرة أحلام

لم يكن من السهل أن يجتمع عاشقٌ عربيٌّ بأنثى إفريقيةٍ محافظةٍ في سطرٍ واحد من القدر.
كانت المفاهيم بيننا تتباعد أحيانًا حتى تلامس الضياع؛ فتارةً يتيه العاشق في استفزازها الإفريقيّ الحاد ، وتارةً أخرى يضيع في خجلها الأنثويّ المفرط ، كمن يتأرجح بين النار والماء.

أحلام…
ما كان يميّزها لم يكن الجمال فحسب، بل تلك البساطة التي كانت ترافقها كعطرٍ خفيفٍ لا يُنسى.
رغم ما كانت تملكه من سحر الملامح وفتنة النظرات، لم تكن مغرورة، بل كانت تمضي في الحياة كما لو أنّها تعتذر للعالم عن جمالها الزائد.

في أحد الأيام، استوقفتني نظراتها طويلاً.
شيءٌ في عمق عينيها كان يُغويني على الحديث، على كسر حاجز الصمت.
تشجّعت، وبادلتها الكلام.
بدأنا نتحدّث عن أشياء لم أتخيّل أن أجد فيها أنثى لا تتقن أبجديات لغتي، لكنّها كانت تفهم ما وراء الكلمات.

قالت وهي تراقب شاشة الحاسوب:
ـ "لماذا أنت مهتمٌّ دائمًا بمجالسة الكمبيوتر؟"
ابتسمتُ وأجبتها:
ـ "هو الشيء الوحيد الذي يحتوي أفكاري، ولا يُسيء فهم كلماتي."

تأمّلتني بدهشةٍ طفولية، لم تفهم الرمزية التي أخفيها.
ثم تابعت، ببراءةٍ لا تخلو من الفضول:
ـ "ألا تخشى على بصرك من هذا الضوء؟"
نظرت إليها مليًا وقلت:
ـ "ما نفع البصر إن كان القلب هو من يُبصر الحقيقة ويميّز الآخرين؟"

تغيّر وجهها للحظة، ثم صمتت.
كانت تحدّق بي بثباتٍ مربك، وكأنّ عينيها تقولان بصوتٍ خفيّ:

> "تمهّل… لقد اكتفيت، لا تُغرِقني أكثر بكلماتك يا سيدي."



شعرت بأنّي تماديت.
صمتُّ طويلًا، وبدأت أُعاتب نفسي:
من تظنّها؟ أهي نازك الملائكة (1)؟ أم أنني أوهمتُ نفسي بأنّ الشعر يمكن أن يسكن نظرتها؟

ضحكت فجأة، وكأنها قرأت أفكاري، ثم سكتت على نحوٍ أربكني أكثر.
ولكي تُطفئ شرارة التوتّر بيننا، قالت بلطفٍ ناعمٍ كهمس النسيم:
ـ "علّمني كيف أستخدم هذا الكمبيوتر الذي تأسره!"

ابتسمتُ، وربما كانت تلك أول مرة أشعر أن طلبًا بسيطًا قد يفتح بوّابة للعشق.
جلستُ إلى جانبها، وأريتها كيف تمسك فأرة الماوس.
كانت أصابعها ترتجف قليلًا، وقلبي من قبلها.

أتذكّر تلك الليلة كما لو كانت الأمس — زاوية الجلوس، ضوء الشاشة، وثوبها الأبيض البسيط الذي بدا وكأنه يسرق وهج الغرفة.
لم يكن الجوّ رومانسيًا، لكن شيئًا خفيًا جعل المكان ينبض بجمالٍ خالصٍ لا يُنسى.

مرّت السنوات، لكن ما زالت رفات السراب باقيةً على ذلك المقعد، تحرس ذاكرة لم تكتمل.

تقدّمتُ قليلًا، حتى صار وجهي قريبًا من كتفها.
كانت رغبتي ورهبتي تتنازعان داخلي، وكنت أُردّد في سرّي:

> "الصمتُ في حرم الجمال جمال،
كلماتُنا تقتل حبَّنا،
إنّ الحروف تموت حين تُقال."



وقفتُ لأُفسح لها المجال لتجلس، ففعلت.
مالت بجسدها قليلًا للأمام، واتّكأتُ على طرف الكرسي لأرشدها، بينما أناملي تلامس كتفيها الناعمتين بخفّةٍ لا إرادية.
طلبتُ منها أن تُمسك الماوس، ففعلت… وكان وجهها أقرب إليّ من أي وقتٍ مضى.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، لم يعد بيننا سوى أنفاسٍ تتقاطع، ومشاعرٍ تختبئ في قلبٍ يوشك أن يُعلن العصيان.


---

هامش:
(1) نازك الملائكة: شاعرة عراقية، يُعتقد أنّها أوّل من كتب الشعر الحرّ عام 1947، وتُعدّ قصيدتها الكوليرا من أوائل قصائد الشعر الحرّ في الأدب العربي.


رواية رفات السراب | الفصل الأول: التاسعة إلّا الرّبع















الفصل الأول: التاسعة إلّا الرّبع



كنا كالأطفال الذين يلهون بالحبّ، لا يدركون عواقبه، ولا يخشون احتراق أصابعهم إن امتد اللعب إلى آخر الليل.
كانت نظراتها تحمل دهشة من يخطو للمرة الأولى في طقوس العشق، وكأنها لم تعرف من الحب سوى اسمه. كانت تفتّش عن مفرداته بين أنفاسي، وتتعلم حروفه من ارتجاف كفّي حين تلامس كفّها.

كلّ شيءٍ كان جديدًا عليها… حتى الخطأ.
وكحال مبتدئٍ بأمرٍ جلل، لم تخلُ حكايتنا من السقطات الجسيمة.

في إحدى أمسياتنا، قرأتُ لها مقولة لألبرت آينشتاين:

> "إذا كان (أ) هو النجاح في الحياة، فإن (أ) يساوي مجموع (س) و(ص) و(ع): العمل (س)، واللعب (ص)، أما (ع) فهو أن تبقي فمك مغلقًا."



ضحكت وقالت وهي تميل نحوي:
ـ "إذًا نحن فاشلان من الدرجة الأولى، فحديثنا وحده يفضحنا."

كانت محقّة… لم نطبق القاعدة (ع)، فانتشرت قصتنا كالنار في هشيم في اوساط حارتنا .
ورغم ذلك، لم أشعر بالخوف.
كنت أقدّس الحب كما يقدّس الناس الطقوس القديمة، وأمارسه بشغف العابد أمام معبده الأول.
كنت أتلو أبجديّاته، وأسطّر بطولاته، وأخترع له كلماتٍ جديدة كلّ مساء.

كانت تجلس أمامي بصمتٍ يشبه الحنين، تحدّق في يدي وأنا أكتب.
تستمتع بتلك المعركة التي أخوضها مع الحروف، كأنها ترى فيّ شاعرًا يغازل قلمه ليُخرج لها قصيدة من رماد التعب.

لكنها، في الحقيقة، لم تكن تفهم لغتي تمامًا.
كان حبّنا أشبه بحكاية أديبٍ فرنسيٍّ هامَ بغجريةٍ إسبانية… كلٌّ منهما يحاول أن يترجم للآخر نبضه، لكنّ الجمال يضيع في الحد الفاصل بين الكلمة والمعنى.


---

في التاسعة إلا الربع، وُلدت الصدفة التي جمعتنا.
كانت واقفةً عند زاوية المقهى، تقلب صفحات كتابٍ لم تقرأه بعد، حين اصطدمت نظراتنا.
منذ تلك اللحظة، تغيّر شيءٌ في داخلي…
لم أعرف إن كان ذلك اللقاء بداية روايةٍ أم مقدّمةً لإعدامي، لكنني كنت على استعدادٍ تامّ لأن أموت على يديها.

في الأيام التي تلت، أخفيت مشاعري كما يُخفى سرٌّ ثمين، لكنّ عينيّ كانتا تخوناني في كل وهلة.
كانت تلتقط نظراتي، وتبتسم أحيانًا… تلك الابتسامة التي تشبه رسالة مشفّرة لا تحتاج إلى حروف.
وفي أحيانٍ أخرى، كانت تعقد حاجبيها في تظاهرٍ بالجدية، وكأنها تُلقي الرعب في قلبي لتختبر عمق انجذابي إليها.

آه… كم كان صوت فيروز يطربني كلّما تذكّرت حواجبها، فأتمتم كمن يعترف بخطيئته:

> "يا عاقد الحاجبين… إن كنتَ تقصد قتلي، فقد قتلتني مرتين."




---

لم تكن هي كاملة، ولم أكن أنا بريئًا من جنون العاشقين.
لكنها وحدها أتقنت خارطة مشاعري.
منذ اللقاء الأول عزفت على أوتار نغماتي، وملأت فراغي بعذوبة أحرفٍ كانت تنتظر ملهمةً تُوقظها من سباتها الطويل.

ربما لم أكن أبحث عنها، لكن القدر كان يعرف تمامًا أين أجدها... عند التاسعة إلا الربع، على زاوية من ذاك المقهى، حين وُلدت الرواية، وبدأت الحكاية.

============================
 " هوامش : [1 ]: ألبرت أينشتاين : ألماني أمريكي الجنسية، أحد أهم العلماء في الفيزياء يشتهر بأبو النسبية كونه واضع النظرية النسبية [2 ] : فيروز : مغنية لبنانية اسمها الحقيقي نهاد رزق وديع حداد قدمت مع زوجها الراحل عاصي الرحباني العديد من الأغاني والأوبريهات التي لاقت رواجاً واسعاً في العالم العربي والعديد من دول العالم .