المتابعون

السبت، 16 مايو 2015

رواية رفات السراب | الفصل التاسع : المبالغ المشبوهة وأوهام الخيانة






الفصل التاسع : المبالغ المشبوهة وأوهام الخيانة

احتارت أحلام كثيرًا بالمبلغ الذي وصلها، بين أن تصرفه على حاجياتها اليومية، أو تتصدق به كحسنة تحسب في ميزان أعمالها.
كنت أجلس أمامها، أراقب كل حركة، وكل تفكير يختلط على ملامحها، وسألتها بصوت متردد:
ـ "ما هذا المبلغ يا أحلام؟"

ابتسمت، ووضعت يديها على يدي:
ـ "هذا ما أرسله العجوز، في محاولة بائسة لشراء قلبي يا زياد. وأنا أضعه بين يديك لتتصرف به كما تشاء، ولتعلم أن إحساسي فيه لم يخِب يومًا."

سكتت الكلمات في حلقي، وبدأت تراودني الشكوك والأوهام. هل الجميع متآمرون ضدي؟ هل أصبحت كل المدن التي أسافر إليها مأوى للحاقدين والمنافقين، رجال أفنوا عمرهم في محاربة الحب وإطفاء البسمة؟
تسائلت في نفسي: كيف وصل هذا المبلغ لأحلام؟ وهل قبلته؟ ولماذا تضعه أمامي بهذا الشكل؟

لكن حين انفجرت ضاحكة، قالت:
ـ "أتعتقد حقًا أني قبلت منه؟"
ـ "إذاً كيف أوصله لكِ؟" سألتها.
ـ "لا يا زياد، أنا حبيبتك. لم أفكر يومًا أن أخطو خطوة دون أن أستشيرك، ونحن تواعدنا أن نتشارك الحياة بكل تفاصيلها."

كان حديثها بمثابة هدوء بعد العاصفة، وكأنه يربط قلبي بقلبها بقوة لا تنكسر.
ـ "ليس لديه الجرأة ليعطيني المبلغ بنفسه، أرسله عن طريق صرافة باسمي… وحين ذهبت لأستلمه، اندهشت لمعرفة اسم المرسل."

غمرني الغضب، كيف لهذا العجوز الهرم أن يخطو هذه الخطوة الجريئة؟ شعرت بالضعف، وكأني قليل الخبرة في فنون إدارة الحروب العاطفية مع أشخاص خبروا الحياة سنوات طويلة.

لكن في تصرف أحلام كان العلاج لكل هذه المشاكل، بحكمتها وعقلانيتها المتواضعة، وبقدرتها على قراءة النفوس.
فهي تعرف أن بعض الرجال يظنون أن المال يشتري كل شيء، وأن النفوس يمكن ترويضها بالدرهم والدينار، لكنها تعلم أن الحب أعمق وأسمى من كل الأموال.

كان واضحًا أن العلاقة معها أشبه بعلاقة روحانية، كل واحدة تمجد الآخر بطريقتها الخاصة.
فالمرأة دون المال قد تشبه شجرة في صحراء قاحلة، لكن المال ليس كل شيء، ولا كل غني يمنحك السعادة، فهو مجرد قطرات ماء قد تروي العطش، وقد تسمم الحياة إذا أرسلت بلا حكمة.

لكن الشكوك استمرت، خصوصًا بعد أن وصل حديث عشقنا إلى أختها الكبرى، عائدة من الصومال، حاملة الحقد والغيرة، لتزرع الفتن بيننا.
هنا، أدركت لأول مرة حجم زيف الأقنعة التي يضعها بعض الناس، وكم من الوجوه المتضاربة يمكن أن تحملها نفس الأسرة في سبيل المصلحة والمنفعة.

كانت تلك صدمة أخرى، فقد اكتشفت أن وجهًا لطالما اعتبرته العطف والحنان، يحمل الآن طعم الغدر.
لم تشفع السنين التي تقاسمتها معها، ولا المودة التي نشأت بيننا.

لم يتوقف جوالها عن الرنين، الكل يسأل، الكل يحاول جس نبضها، وهي مستميتة على رأيها: لا شيء من الأقاويل حقيقي، مجرد صداقة وأخوة.
لكن الكل أصر على شكوكه، يشككون بطهارتها وعفتها، ويحاولون ربط اسمها بمغامرات وهمية، ويجعلون أهلها تحت ضغط الاختيار: أن يزوجوها رغم عنهم أو يرموا سمعتها في بحر القيل والقال.

تأزم الوضع، حتى تدخل والدها، بمقارنة مع باقي العائلة، كان أكثر إنسانية وانفتاحًا، واستطاعت أحلام أن تقنعه بجانبها، فعم الهدوء قليلًا، لكنه لم يدم طويلًا.

فقد عادت أختها الكبرى لتزيد من توتر البيت، متناسية كل ما قدمته أحلام لها أثناء مرضها المزمن، من سهرة لياليها وخدمتها.
ومع عودتها من الصومال، بدأت مشاكل لا تنتهي، كأن البيت تحول إلى ساحة حرب بين الحقائق والأكاذيب، بين الحب والغيرة، بين العقل والهوى…

0 التعليقات:

إرسال تعليق