كنت متحمسًا لحديثه كثيرًا، لأعرف عن ماضيها، عن أسرارها، عن كل ما خبأه قلبها لي.
ربما ترك كلامه أسًى كبيرًا في قلبي، وأسئلة كانت تلاحقني بلا توقف.
لكن جواب تلك الأسئلة كان واحدًا ووحيدًا: من أنت؟ فهي ليست حبيبتك، ولم تُصارحك بحبها، فلماذا كل هذا الأسى على ماضيها؟
تسلّل الحزن إليّ تلك الليلة، حتى بدا واضحًا على وجهي، على نظراتي، على صمتّي.
هرعت إلى مفكرتي الإلكترونية لأبوح لها بما يملأ صدري من ألم، كعادتها، أو كعادة قلب عاشق يبحث عن عشقه، أو كحمامةٍ زاجلة تحمل رسائل غرامية، جلست بجانبي قائلةً:
ـ "ما هذا البؤس على محياك؟ وما هذا الحزن في عينيك؟ وما هذا النار التي تحرق قلبك؟"
قلت لها بصوتٍ خافت:
ـ "نار الكذبة التي سقيت بها قلبي المسكين، والأوهام التي زرعتها في أحشائي."
ثم التفت إلى الجهاز قاصدًا تجاهلها، لكنها اقتربت اكثر وقالت:
ـ "انظر إلي وأنت تحدثني… ما بالك؟ وما هذه الكذبة التي سقيت قلبك ، والأوهام التي زرعتها في أحشائك؟"
لم أستطع مجاراتها، فانفجرت بكل ما أحمل في داخلي، كطفلٍ صغير أضاع دميته، فهرول إلى حضن والدته باكياً ، وهي تواسيه بابتسامة حنونة، و تقول:
ـ "لا عليك… سأشتري لك أحسن منها."
لم أستفق إلا على قهقهتها التي امتلأ بها المكان، ثم أكملت ضحكها، شبيهًا بالضحك الهستيري، قائلةً:
ـ "ماذا؟ لي ابن وأنا مطلقة؟ بربّك، أأنت تمازحني؟"
تغلبت على نفسي، وبعد صمتٍ طويل، قلت:
ـ "نعم، هكذا قيل لي."
نبرة صوتها الحنونة، التي عهدتها، ألطفت أجواء غرفتي المكتظة بدخان البراكين الذي كان يخرج من فوهة قلبي، الممزوج بتساؤلاتٍ لم تكاد تفارق تفكيري:
أيعقل أن تتبرّأ من طفلها الذي لم يكبر بعد؟
لا طبعا فليس هنالك اما تتبرأ من ضناها وفلذة كبدها ..!!
بهذا السؤال تبددت سلسلة تساؤلاتي المشؤومة، وامتلأ قلبي بالفرح والبهجة، وكأن هذا اليوم هو يوم ميلادي.
اقتربت منها ، وضمّت يديها إلى يدي، وحرارة جسدها تسري في جسدي.
همست باذني :
ـ "أيها العاشق المسكين ، ألم تسأل نفسك لماذا هذه الإشاعات تنقل اليك؟ ألم تدرك بعد أنهم لا يريدونني بقربك؟ وأنهم قد أدركوا عشقي لك؟"
---
ذات مرة، شاهدت فيلمًا مصريًا باسم "رجال بلا ملامح"، بالأبيض والأسود، إن لم تخنني الذاكرة.
لم أكمله بسبب طفلٍ مشاكسا قطع متعة الفيلم، لكنه علّمني شيئًا مهمًا: من الصعب أن نحتفظ بملامح كل من مرّوا بحياتنا، ربما لأن العلاقة معهم لم تكن سوى علاقة عمل.
وبمجرد انتهائها، يختفون من حياتنا، وربما نصادفهم مرة أخرى، لكن من الصعب ان نمييزهم، فجميعهم أصبحوا رجالًا بلا ملامح.
وهكذا تعرفت على وجوه كثيرة لا اتذكر ملامحها واصحابها ، ولكن اتذكر ملامح ذالك الشايب أيضًا ينافسني على حبها، يتردد إلى بيتها لتقديم المغريات، أو لإثبات ثرائه الفاحش .
ما جعلني اميز هذا العجوز انه في سبعينات من عمره ،كما انه أعلن الحرب علي صراحة.
ليلةً من ليالي العشاق، تسلّلنا عن أنظار الآخرين، لنلتقي في ساحة حبنا، لنجدّد العهد ونتبادل نظرات اللهفة والشوق.
في تلك اللحظة، هاتفها أحد أولئك الرجال بلا الملامح، رجلٌ كبير بالعمر، ولديه زوجة وأطفال.
تجاهلته كثيرًا مراعاةً لشعوري، لكنها أرادت أن تثبت سبب نشوء الشائعات، وأن رواجها كان بيد رجال لا يعرفون سوى لغة المادة والمغريات.
كانت نظرتهم لنا: امرأة جميلة مثلها لا تستحق أن تُضيّع شبابها مع شابٍ في مقتبل العمر لا يدري من الحياة شيئًا.
وفجأة، ومن دون سابق إنذار، طلب مني أن أتجهّز للسفر إلى صنعاء.
عمّ الحزن قلبي على فراقها، وتسارعت عقارب الساعة.
كم تمنيت أن تتوقف عقارب الزمن في تلك الليلة، وهي واقفة أمام باب غرفتي، تودّعني بنظراتها المليئة بالدموع، دموع الأحبّة ، حتى وإن كانت هذه الدموع ذُرفت لأجلي.
كم تمنّيت أن أرى دموعها لأدرك أن ما بيننا ليس حبًا عاديًا، بل هيام وشغف يمتزجان بجنون عاقل.
في السابق كنت أشك في ذلك، كيف يمكن لشخص أن يذرف دموعًا لأجل الحب؟
وهل الحب شيء ظاهري ليستحق الإيمان به؟
كنت أظن أن ما يربط الرجل والمرأة ليس سوى شهوة عابرة، لكن القدر أثبت لي أن ما يربطهما أعظم من ذلك… أن الحب أسمى وأجلّ من مجرد رغبة عابرة.
قبل دقائق من مغادرتي، اتصلت بها لأقول:
"من الصعب أن أترك مدينة تسكنينها، لكن وعدًا مني، سأكون أمام غرفتكِ بأقرب وقت."
كانت هذه الرحلة المفاجئة بمثابة إكسير حبنا، ولأول مرة أسمعها تقول لي :
> "أحبك… وانتبه على نفسك."
خانني لساني، وخانتني أحرفي، لم أستطع أن أقول لها ما أريد بجرأة مثلها، مع أن مشاعري واضحة كوضوح الشمس في كبد السماء.
فهي لا تنتظر شيئًا مني، بل تلاحظ لغة عينيّ التي أفصحت عما لم يستطع اللسان.
قلت في نفسي: كيف أتحمّل بعد هذه العبارة؟ لقد زادت معاناتي أكثر من أي وقت مضى.
---

0 التعليقات:
إرسال تعليق