المتابعون

السبت، 16 مايو 2015

رواية رفات السراب | الفصل الثالث ..حين تكلّم العطر






الفصل الثالث: حين تكلّم العطر

كنت أسمع نبضات قلبها كما يسمع المسافر وقع المطر بعد طول جفاف.
أنفاسها تتسلّل إليّ، شهيقها وزفيرها يختلطان بدقات قلبي، فيغدو المكان ضيقًا بنا، كأن الهواء نفسه يخجل من البقاء.

ضعتُ وأنا أتأمّل أسرار وجهها، تفاصيل خدّيها وحدودهما، تلك الظلال الخفيفة التي ترسمها الإضاءة على بشرتها السمراء.
ثم التفتت نحوي فجأة، فتقابل الوجهان… ولا يفصل بينهما إلا حدُّ شعرة، أو أقلّ من ذلك.

كانت تحاول أن تروض "الماوس" (2) الذي لا يطاوعها، تغضب منه كما لو أنه كائنٌ يعبث بها عمدًا.
تارةً يهرب إلى اليمين، وتارةً أخرى يفرّ إلى اليسار، وهي تضحك وتتمتم بكلماتها المتعثّرة.

لم أستطع المقاومة.
مددت يدي، فأمسكت بيدها والماوس معًا، وبدأت أريها كيف تُسيطر عليه.
لم أكن أكترث بتمرّده على أوامرها، بقدر ما كنت مأخوذًا بملمس يدها، بذلك الدفء الناعم الذي جعل عقلي يضيع تمامًا.

كان لعطرها أثر السحر.
لم أكن خبيرًا بالعطور النسائية، ولا أعرف أسماء الماركات، لكنّ ما تناثر منها على أناملي تسلّل إلى صدري كقصيدةٍ لم تُكتب بعد.
رذاذٌ خفيفٌ عانق أنفاسي، واستقرّ على ثيابي كأثرٍ لا يُمحى.
بين نعومة يدها والعطر الذي يفوح منها، راودني شعورٌ غريب، رغبةٌ جامحةٌ في أن أقبّل رقبتها، وأضمّ عالمها إلى عالمي الصغير، كأنني أمتلك مفاتيح بوابةٍ لم أُخلق إلا لطرقها.

غمرتني فرحةٌ هادئة، وأنا أستنشق ما تبقّى من رذاذ العطر العالق بيدي.
كانت الصور تتزاحم في ذهني، ومشهدها أمامي لا يفارق خيالي.
لكنّ فرحتي لم تكتمل.
مخاوف كثيرة بدأت تتسلّل، تهمس في أذني:
أيعقل أن العشق الذي كنتُ أكتبه في نثري وتعابير قلمي قد خرج من الورق ليقتحم واقعي؟
هل جاء إليّ، عابرًا البحار، ليقيم داخل أسوار قلعتها القديمة؟

وإن يكن…
فما بعد العشق إلا الهاوية.

افترقنا تلك الليلة، والبهجة ما زالت تسكن ملامحها.
كنت أعلم أن شيئًا ما تغيّر، وأن العاشق قد اكتشف عشيقته، والحبيبة أيقنت أن الحبيب لم يعد عابر طريق، بل غارق حتى النخاع في نسيجها.


---

لكن لا شيء في هذا العالم يكتمل.
حتى الفرح، له عمر قصير، كزهرةٍ تُزهِر على أطراف الصحراء.
بدأت القصص تُحاك من حولنا، والأكاذيب تتكاثر في الخفاء كالدخان.

في إحدى الأمسيات، جلستُ قرب دكّة المسجد المجاورة لمنزلنا، حيث يجتمع المارّون آخر الليل.
كان معي صديق عمري، ومعنا رجل غريب يُدعى عبد الرحمن، جاء من وراء البحار مثلها.
كان يعرف لغتها… ويبدو أنه أدرك ما لم أدركه بعد: لغة قلبها.

تحدّث طويلًا، بصوتٍ هادئٍ يحمل خبثًا مستترًا.
لم يذكرها صراحة، لكنه كان يوجّه سهامه نحوي، بعباراتٍ ملفوفةٍ بالنية المبيّتة.
كنتُ أستمع، قلبي بين التصديق والرفض.

ثم قالها أخيرًا، بنبرةٍ أقرب إلى الطعنة:

> "إنها امرأةٌ بكل معنى الكلمة، لكنّها مطلّقة… ولديها طفلٌ في السابعة من عمره."



تجمّدت.
لم أنطق بحرف.
كانت الكلمات كحجرٍ سقط في بركة قلبي، فبعثر سكونه.

في تلك اللحظة فقط، أدركت أن القصص العظيمة لا تُهزم بالقدر، بل بالناس.


---

هامش:
(2) الماوس: فأرة الكمبيوتر.


 .

0 التعليقات:

إرسال تعليق