المتابعون

السبت، 16 مايو 2015

رواية رفات السراب | الفصل الأول: التاسعة إلّا الرّبع















الفصل الأول: التاسعة إلّا الرّبع



كنا كالأطفال الذين يلهون بالحبّ، لا يدركون عواقبه، ولا يخشون احتراق أصابعهم إن امتد اللعب إلى آخر الليل.
كانت نظراتها تحمل دهشة من يخطو للمرة الأولى في طقوس العشق، وكأنها لم تعرف من الحب سوى اسمه. كانت تفتّش عن مفرداته بين أنفاسي، وتتعلم حروفه من ارتجاف كفّي حين تلامس كفّها.

كلّ شيءٍ كان جديدًا عليها… حتى الخطأ.
وكحال مبتدئٍ بأمرٍ جلل، لم تخلُ حكايتنا من السقطات الجسيمة.

في إحدى أمسياتنا، قرأتُ لها مقولة لألبرت آينشتاين:

> "إذا كان (أ) هو النجاح في الحياة، فإن (أ) يساوي مجموع (س) و(ص) و(ع): العمل (س)، واللعب (ص)، أما (ع) فهو أن تبقي فمك مغلقًا."



ضحكت وقالت وهي تميل نحوي:
ـ "إذًا نحن فاشلان من الدرجة الأولى، فحديثنا وحده يفضحنا."

كانت محقّة… لم نطبق القاعدة (ع)، فانتشرت قصتنا كالنار في هشيم في اوساط حارتنا .
ورغم ذلك، لم أشعر بالخوف.
كنت أقدّس الحب كما يقدّس الناس الطقوس القديمة، وأمارسه بشغف العابد أمام معبده الأول.
كنت أتلو أبجديّاته، وأسطّر بطولاته، وأخترع له كلماتٍ جديدة كلّ مساء.

كانت تجلس أمامي بصمتٍ يشبه الحنين، تحدّق في يدي وأنا أكتب.
تستمتع بتلك المعركة التي أخوضها مع الحروف، كأنها ترى فيّ شاعرًا يغازل قلمه ليُخرج لها قصيدة من رماد التعب.

لكنها، في الحقيقة، لم تكن تفهم لغتي تمامًا.
كان حبّنا أشبه بحكاية أديبٍ فرنسيٍّ هامَ بغجريةٍ إسبانية… كلٌّ منهما يحاول أن يترجم للآخر نبضه، لكنّ الجمال يضيع في الحد الفاصل بين الكلمة والمعنى.


---

في التاسعة إلا الربع، وُلدت الصدفة التي جمعتنا.
كانت واقفةً عند زاوية المقهى، تقلب صفحات كتابٍ لم تقرأه بعد، حين اصطدمت نظراتنا.
منذ تلك اللحظة، تغيّر شيءٌ في داخلي…
لم أعرف إن كان ذلك اللقاء بداية روايةٍ أم مقدّمةً لإعدامي، لكنني كنت على استعدادٍ تامّ لأن أموت على يديها.

في الأيام التي تلت، أخفيت مشاعري كما يُخفى سرٌّ ثمين، لكنّ عينيّ كانتا تخوناني في كل وهلة.
كانت تلتقط نظراتي، وتبتسم أحيانًا… تلك الابتسامة التي تشبه رسالة مشفّرة لا تحتاج إلى حروف.
وفي أحيانٍ أخرى، كانت تعقد حاجبيها في تظاهرٍ بالجدية، وكأنها تُلقي الرعب في قلبي لتختبر عمق انجذابي إليها.

آه… كم كان صوت فيروز يطربني كلّما تذكّرت حواجبها، فأتمتم كمن يعترف بخطيئته:

> "يا عاقد الحاجبين… إن كنتَ تقصد قتلي، فقد قتلتني مرتين."




---

لم تكن هي كاملة، ولم أكن أنا بريئًا من جنون العاشقين.
لكنها وحدها أتقنت خارطة مشاعري.
منذ اللقاء الأول عزفت على أوتار نغماتي، وملأت فراغي بعذوبة أحرفٍ كانت تنتظر ملهمةً تُوقظها من سباتها الطويل.

ربما لم أكن أبحث عنها، لكن القدر كان يعرف تمامًا أين أجدها... عند التاسعة إلا الربع، على زاوية من ذاك المقهى، حين وُلدت الرواية، وبدأت الحكاية.

============================
 " هوامش : [1 ]: ألبرت أينشتاين : ألماني أمريكي الجنسية، أحد أهم العلماء في الفيزياء يشتهر بأبو النسبية كونه واضع النظرية النسبية [2 ] : فيروز : مغنية لبنانية اسمها الحقيقي نهاد رزق وديع حداد قدمت مع زوجها الراحل عاصي الرحباني العديد من الأغاني والأوبريهات التي لاقت رواجاً واسعاً في العالم العربي والعديد من دول العالم .

0 التعليقات:

إرسال تعليق