المتابعون

السبت، 16 مايو 2015

رواية رفات السراب ، الفصل الثاني .. مدينة البردوني












في مساء هادئ، وأجواء باردة للمدينة، أصبح كل شيء موحشًا.
حتى مع الأضواء التي تزين المكان وتجعل المدينة رائعة، شعرت بوحدةٍ داخليّة.
كانت عيني تسجل كل شيء، حتى تشابك أصابع العشاق المارين أمامي.

هنا، الحب مقدّس بمشاعر شاعرية، قد يغريك لتأليف قصيدة أو كتاب يحمل أجمل فصول الحب.
هناك، في مدينة حبيبتي، الحب مقدس بطريقة وحشية،
لكن الشوق المستمر يحملني إليها، كأنني العاشق الوحيد هنا، أو غريبٌ نزل بمدينة لا يفقه قولها، أو ميت عاطفيًا بين أحياء وأزقّة تفوح منها روائح المحبين.


ألتفت يمينا وشمالا ، لأرى هل هناك شارعا يوصلني لدار حبيبتي ، لكن الشوارع لم تكن تتشابه شوارع حبي ، فقد كانت موحشا بكل ما يملكون من زينة ، حينها تذكرت كلمات محمود درويش وكأنني قد مت قبل الآن أعرف هذه الرؤيا ، وأعرف انني أمضي إلى ما لست أعرف. ربما ما زلت حياً في مكان ما ، وأعرف ما اريد سأصير يوماً ما أريد هاتفتها لعل بكلماتها قد تعيد لأهل المدينة أنسها ، لعل قد ترسل قبلات تزين هذا الشارع الموحش ، لم يكن الامر سهلا لمدينة تغزل بها كبار الادباء .

 وحضنت عبد الله البردوني {1} ان حصرها ثقافيا واجتماعيا ، قد كان الامر اشبه بقياس خصرها الذي لطالما أعتصم على تحديد قياسها ، في محاولة لقتل الملل ذهبت اتجول بالمدينة ، ابحث عن معالم تاريخية قد تجعلني اقارن بين معالمها الفتانة من جهة ومعالم تاريخية التي تحتضنها اقدم عاصمة في العالم من جهة اخرى ، لم القى ما يشبها إلا المعرض الفني ، كان مليئاً برسومات قرب لي تفاصيل اختيار ألوان الثياب التي تفضلها .

 وفي محاولة لرشوة تلك الرسومات لعلها قد تخبرني مدى العلاقة التي تربط بينهما ، إلا انني لم اجد تلك العلاقة فأخذت التقطت بعض الصور فربما يجمعنا القدر سويا مع تلك الرسومات . مع اقتراب موعد عودتي الى الغيضة {2} ذهبت الى شارع الحب "جمال " ليلاً ، وسمي بهذا الاسم ، لكثر ارتياد العاشقين هناك ، ليس في محاولة لمعرفة اسرار العشاق ، وإنما لشراء هدية ثمينة ارشي بها نحرها الذي لطالما عجز ابياتي ان تسطر لها .

 دخلت احد معارض المجوهرات ، وجلست اتصفح جميع المجوهرات التي علقت على جدرانه ، وأنا اتخيل جميعها على صدرها ، إلا ان رأيت عقدا كان الاجمل في تصويري بينهم ، سالت صاحب المعرض بكم هذا العقد ، قال 30 الف ريال يمني ما يقارب 150 $ . اخرجتٌ محفظتي ، لعلي أجد فيها هذا المبلغ الكبير ، مع انني لا احمل حتى نص هذا المبلغ ، إلا أن ما جعلني احاول فحص محفظتي لعل القدر قد يسلفني هذا المبلغ لأرد له يوما ما .

 حاولت كثيرا تجاهل ذاك العقد الفريد ، وما يلهمني من صور خيالية ، لم اكن كخالد بن طوبال حين اشترى الموسلين الأسود ليهدي لحبيبته بعد اكثر من شهرين في رواية "عابر سرير"{3} لتقول بخبث أنثوي ، لمن هذا الثواب ، اهو لصاحبة المنزل ، ولك الامر كان شتان بيني وبين خالد ، فقد كان بموسوعي ان أهدي هذا العقد لها دون ان تتهمني بخبث أنثوي وألا أنتظر الصدفة لتجمعني بها ثم اهدي لها . كنت مندهشاً من تصرفاته وهل يمكن للعشق ان ينعطف بنا لهذا المنعطف ، وهل يمكن أن نرى الاشياء التي تليق بهم دون ان يلبسوا ، ثم يأتي القدر ليجتمع ذاك العقد مع ملهمته ، لتكتب فصول رواية اخرى .

كيف لي ان احكي يوما عن عقدا تمنيت ان يعلق على عنق إمراه متدرجا ، كمتدرجات حلبة اثينا التاريخية ، وكيف لعنقها الذي يستهوي أمطار ريق شفتاي وأحاسيس يدي التي لم تجد صعوبة في تخلخل لمسامات شعرها الناعم و لطالما لم تزين عنقها إلا قبلاتي المسروقة . هكذا ودعت ذاك العقد ، وعيني قد حفظت صورته في قلبي ، ربما يوما ما التقي به بمكان اخر ثم اشتريه لانتظر اعوام اخرى قد تجمعني صدفة كما جمعت خالد بحياة في قلب باريس ليهديها ، ثوب الموسلين الاسود وهو لا يدرك ربما حياة لم تعد بنفس مقياسها قبل عدة سنوات . من يدري قد اهديها هذا العقد وعنقها قد زين الالف المجوهرات فيكون كنقطة حبر سقطت من ريش فنانا رسما يرسم لوحة لأميرة بريطانية فشوهت الصورة بتلك النقطة ، هكذا كان خوفي بان يشوه عقدي عنقها ان اختلف الوقت والزمان . 

هاتفتُ على عجلا صديقا لي يفهم اسرار النساء وقد اجاد التعامل في مثل هذا الظروف ، قلت له وقد تشعب الامر علي ، ما هي اجمل هديه اهديتها لحبيبتك وليست مكلفه ، فرد لي بأسلوب مازحا ، اهديها قلبك ، انفجرت غاضبا ، وقلت له : الذنب ذنبي لأني استشرتك . فرد علي : امزح معاك ، و نسيت ان بقاموسك المزح ممنوع ، قلت : امزح ولكن ليس هذا الوقت ، الا تعلم اني قد تهت بالمحلات وانا ابحث عن هدية لها ، وقد احترت كثيرا فيما اشتري لها كهدية . رد : بربك ، الم تجد في صنعاء هدية لحبيبتك ، احسستني يا زياد بان حبيبتك أميرة من بلاد الواق واق ، كان لحسه الفاكهي اثر كبير في تخفيف معاناتي قلت : نعم هي اميرة ، ولكن ليست من تلك البلاد ، انها اميرة من اميرات آل المعتمد .


لخبث مني في محاولة جذبه ولفت انتباهه قصة الامير المعتمد ابن عباد {4} الذي احب الجارية اعتماد الرميكية {5} حتى اسمى نفسه الملك المعتمد بالله ابن عباد .





==========================
هوامش : {1}: عبدالله البردوني : شاعر وناقد أدبي ومؤرخ يمني تناولت مؤلفاته تاريخ الشعر القديم والحديث في اليمن . {2}: الغيضة : هي عاصمة محافظة المهرة في أقصى شرق اليمن ، على حدود سلطنة عمان . {3}: رواية عابر سرير : هي ثلاثية الروائية أحلام مستغانمي بعد روايتيها ذاكرة الجسد الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي وفوضى الحواس الرواية الثانية في الثلاثية وصدرت عام 2003 للميلاد . {4} : المعتمد ابن عباد : هو ثالث وآخر ملوك بني عباد في الأندلس، وابن أبو عمر المعتضد حاكم إشبيلية، كان ملكاً لإشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف قبل أن يقضي على إمارته المرابطون . {5}: اعتماد الرميكية :هي شاعرة أندلسية ، كانت جارية لرميك بن حجاج فنسبت إليه تزوجت المعتمد بن عباد.


0 التعليقات:

إرسال تعليق